(المقال مقتطف من صفحة جمعية سومر للأدب والمعرفة )
مِـرْآة الواقـع/الخيـال:
ما الصورة الظاهرة في المِـرْ آة، أعرض أم جوهر، والذي ترى أهو وجهك أم غير وجهك؟
رسالة التربيع و التدوير ، الجاحظ.
يقول الشاعر السلفادوري "روك دالتون" في قصيدة له بعنوان "مثلك": مثلك أنا، أحب الحب و الحياة و رائحة الأشياء الطيبة...، أعرف أن العالم جميل، وأن الشعر مثل الحب، من أجل الجميع، وأن أوردتي لاتنتهي بداخلي، وإنما في الدم الجمعي، لكل من يكافح من أجل الحياة، والحب و الأشياء الصغيرة، الطبيعة و الحب و الأشياء الصغيرة، الطبيعة و الخبز، وشعر كل الناس. و احتفاء بالحب و الحياة و الجمال، نظمت جمعية "سومر للأدب و المعرفة- تازة" يوم السبت 13-9-2014 بالخزانة الوسائطية علال بن عبد الله أمسية أدبية احتفت من خلالها بالشاعر"عبد الله فراجي" من خلال ديوانيه "مسافر في الضباب" و "المِرْآة و البحر"، وقد تم افتتاح اللقاء بكلمة مسير اللقاء،الطالب الباحث"حميد جيار" الذي رحب بالمحتفى به و بالضيوف القادمين من مجموعة من المناطق المغربية {مكناس،وجدة،جرسيف}، قبل أن يفسح المجال للأستاذ"وديع بكيطة" الذي طرح مجموعة من التساؤلات الكبرى التي تسعى الجمعية من خلال أنشطتها إلى الإجابة عنها من قبيل: لماذا الأدب؟ماالأدب؟...، بعد ذلك رحب ممثل الخزانة الوسائطية الأستاذ "محمد كريد" في كلمته بالحضور الكريم و أشاد بالجهود التي تبذلها الجمعية في الدفع بعجلة الثقافة بتازة إلى الأمام، ثم فُسح المجال للنقد حيث استمع الحضور لأربع قراءات، واحدة منها تخص ديوان"مسافر في الضباب"، و المداخلات المتبقية تتعلق بديوان"المِرْآة و البحر"، وقد عرض النقاد مجموعة من الأفكار، سنحاول بسطها بشكل موجز كالتالي:
"مسافرفي الضباب" ، "المِرْآة و البحر "، نص متكامل:
انطلق الأستاذ "مصطفى الشاوي" في مداخلته من فرضية مفادها أن العلاقة بين النصين- السالفي الذكر-هي علاقة تكاملية، فكل منهما يجد امتداده في الآخر، وقد برهن على ذلك من خلال مقاربته للعنوان {مسافر،ضباب} الذي ليس اعتباطيا بل له بعد تأويلي يجعل القارئ مطالبا باستحضار حقلين معجميين متباعدين إلى حد ما، حقل يخص السفر من جهة وآخر يخص الضباب من جهة أخرى، مما يوحي بعُسر الرحلة و صعوبة السفر خاصة أن الوضعية التي يتخذها الشخص الظاهر على صورة الغلاف {جالس،مدبر} تدل على عدم الاستعداد للتٍرحال، كما أشار الناقد إلى طيمة الزمن الحاضرة بقوة في النص إلى جانب طيمة الكسر و التشظي مستدلا على ذلك ببعض المقاطع الشعرية التي تتمظهر من خلالها الطيمتين جلياً، قبل أن يؤكد في الختام على قدرة النص في الصمود بفضل ثرائه و تقاطعه مع الواقع السوسيولوجي.
العنوان، النص المفـتوح، الرمز و الأسطورة:
أشارت الطالبة الباحثة " نعيمة حطيطي" في البداية إلى الدور الذي يلعبه العنوان في تحفيز القارئ على تلقي النص الأدبي حيث يتمتع بأسبقية التلقي على النص نفسه، كاشفة في الآن نفسه عن علاقة المِرْآة بالبحر، فالمِرْآة تحكي الواقع بكل تجلياته و انكسارها دليل على انكسار نفسية الشاعر، في حين يكشف البحر عن خبايا النفس، والمُلفت للنظر أن الشاعر يمتح مجموعة من الأساطير و الرموز الدينية، التاريخية أو الطبيعية {عشتار، الفينيق، جلجامش...} مُفرغاً إياها من مدلولاتها لينقلها من واقعها الخاص و يبني واقعا آخر لا وجود له إلا في النص ذاته. إن "المِرْآة و البحر" نص مفتوح- بتعبير أمبرتو إيكو- لأنه ينأى بنفسه عن كل تقليد و مبدعه ينسج على غير منوال سابق.
بعد ذلك استمع الحضور إلى قصيدة من إلقاء الطالبة الباحثة "فاطمة الزهراء أبشي".
بَـيْـنِـية الذات ، صـورة الذات:
إن العمل الأدبي مُقدر له النوسان و التأرجح بين مقتضيين أو أكثر، بين الماضي و الحاضر،الداخل و الخارج...{للتوسع ينظر كتاب"جمالية البين- بين في الرواية العربية، د.رشيد بنحدو}، والشاعر عبد الله فراجي كما وضح "ذ.ادريس الزايدي" هو متأرجح بين فضاءين: المِرآة باعتبارها فضاء مغلقا و محدودا، و البحر باعتباره فضاء مفتوحا لا محدود، بهذا المعنى يصبح العنوان بملفوظيه نصا قائم الذات يدل على الشاعر كُلا و جزءاً، و تصبح المِرْآة بحراً و البحر مِْرآة في قلب للأدوار، خاصة أن العنصرين تجمعهما قواسم مشتركة كالبريق و اللمعان، و في الأخير أشار الناقد إلى أن النص موضوع الدراسة يُخفي أكثر مما يُظهر ولا يمكن إيجاد قراءة موضوعية واحدة له مادام يمتلك القدرة على توليد معاني جديدة لدى قراء مختلفين في أزمنة و أمكنة مختلفة.
فـي ظِـل المَـرَايَـا:
أشارت "ذ.ابتسام الخليلي" في قراءتها إلى أن الشاعر يتخذ من اللغة بساطا ينتقل به من الواقعي إلى الخيالي، فهذا الأخير هو ما يصنع الشعري، كما تحدثت عن العلاقة الجامعة بين ملفوظي العنوان مشيرة إلى تركيز الشاعر على رمزية المِرْآة التي تحضر بقوة في التراث الشعري العربي و نجد في أشعار أدونيس، السياب، نازك الملائكة، محمود درويش...أمثلة تنطق بذلك، إن الشاعر يستعين بالمِرآة المنكسرة تارة و بالأسطورية تارة أخرى لتعكسا له و للقارئ معاً ما فعل العدو بفلسطين و العراق وتُظهرا له الانكسار العربي المشترك، وقد ترددت في الديوان أيضا مجموعة من الملفوظات التي تلتقي في بعض الجوانب مع المِرْآة كالشبح و الظل.
بعد ذلك استمع الحضور إلى قصيدة المْرَاية التي ألقاها الزجال "محمد الروخو".
كلمة الشاعر"عبد الله فراجي":
شكراً لجمعية "سومر للأدب و المعرفة" على الاستضافة، شكرا للقيمين على الخزانة الوسائطية، شرف لي أن أحضر بينكم، بهذه الكلمات افتتح المحتفى به كلمته التي أشار من خلالها إلى الدور الذي يلعبه النقاد في تأليف و كتابة النصوص بطريقة جديدة تضمن لها استمراريتها، معتبرا نفسه محظوظا لأنه حظي بكل هذه القراءات{11 قراءة في ديوان " المِرْآة و البحر"}، وعن تعريفه للشعر قال الشاعر" الشعر تجربة إنسانية تحاول تخطي الواقع وكسر حواجزه، الشعر أن نرى في البحر موجة تضرب صخر الشاطئ، أن نرى في جلجامش بحثا عن أمل منشود، أن نرى في احتراق طائر انبعاث فكر جديد من رماد و من سواد، هكذا تعود الحياة و يعود لها الأمل" وبعد قراءة قصيدتين {ترجم إحداها"ذ.بوعلام حمدوني" إلى الفرنسية} على مسامع الحضور، أشار الشاعر"عبد الله فراجي" إلى أن ديوانه المقبل سيكون عبارة عن تراتيل يحاول من خلالها الغوص في أعماق الذات، في الأنا و الآخر، عبر إثارة مجموعة من الأسئلة الأنطولوجية من قبيل:من نكون؟ من نحن في الوجود؟.
خـتـام الـحـفـل:
تم اختتام الأمسية بكلمة مسير اللقاء الذي شكر من خلالها الحضور، قبل أن تُقدم للمحتفى به شهادة تقديرية {قدمتها "ذ.زهرة تمجردين"}، وكذلك قُدم له بورتريه {قدمه "ذ.ادريس أكوراد" المعروف بدالاس نيابة عن الطالب و الفنان التشكيلي"محمد زروق"}، وأكد المسير أن قصائد المجموعتين "مسافر في الضباب" و "المِرْآة و البحر" تؤكد أن الإنسان هو الإنسان، وأن الإحباط هو الإحباط، وأن الإنكسار هو الإنكسار، برغم اختلاف الزمان و المكان، وأن الشاعر الذي كتبها إنما يكتب أنشودة تتجاوز حدود الجغرافيا و التاريخ و العرق و اللون والدين، إنهما قصيدة كونية واحدة يُحول من خلالها الشاعر الشعر إلى حياة و الحياة إلى قصيدة جميلة.
تغطية: حميد جيار








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق